أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

608

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه مرفوع بالابتداء ، والخبر محذوف تقديره : فعليه جزاء . والثاني : أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره : فالواجب جزاء . والثالث : أنه فاعل بفعل محذوف أي : فيلزمه أو يجب عليه جزاء . الرابع : أنه مبتدأ وخبره « مثل » ، وقد تقدّم أن ذلك مذهب أبي إسحاق الزجاج ، وتقدم أيضا رفع « مثل » في قراءة الكوفيين على أحد ثلاثة أوجه : التعت والبدل والخبر حيث قلنا : « جزاء » مبتدأ عند الزجاج . وأمّا قراءة « فجزاؤه مثل » فظاهرة أيضا . وأمّا قراءة « فجزاء مثل » برفع « جزاء » وتنوينه ونصب « مثل » فعلى إعمال المصدر المنون في مفعوله ، وقد تقدّم أنّ قراءة الإضافة منه ، وهو نظير قوله تعالى : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً « 1 » وفاعله محذوف أي : فجزاء أحدكم أو القاتل ، أي : أن يجزى القاتل للصيد . وأما قراءة : « فجزاء مثل » بنصبهما فجزاء منصوب على المصدر أو على المفعول به ، ومثل » صفته بالاعتبارين ، والتقدير : فليجز جزاء مثل ، أو : فليخرج جزاء ، أو فليغرّم جزاء مثل . قوله : مِنَ النَّعَمِ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه صفة ل « جزاء » مطلقا ، أي : سواء رفع أم نصب ، نوّن أم لم ينوّن ، أي : إنّ ذلك الجزاء يكون من جنس النعم ، فهذا الوجه لا يمتنع بحال . الثاني : أنه متعلق بنفس « جزاء » لأنه مصدر ، إلا أنّ ذلك لا يجوز إلا في قراءة من أضاف « جزاء » إلى « مثل » فإنه لا يلزم منه محذور ، بخلاف ما إذا نوّنته وجعلت « مثل » صفته أو بدلا منه أو خبرا له فإنّ ذلك يمتنع حينئذ ، لأنّك إن جعلته موصوفا ب « مثل » كان ذلك ممنوعا من وجهين : أحدهما : أنّ المصدر الموصوف لا يعمل وهذا قد وصف . والثاني : أنه مصدر فهو بمنزلة الموصول والمعمول من تمام صلته ، وقد تقرّر أنه لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته لئلا يلزم الفصل بأجنبي . وإن جعلته بدلا لزم أن يتبع الموصول قبل تمام صلته ، وإن جعلته خبرا لزم الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته ، وذلك كلّه لا يجوز . الثالث : ذكره أبو البقاء وهو أن يكون حالا من عائد الموصول المحذوف فإنّ التقدير : فجزاء مثل الذي قتله حال كونه من النّعم ، وهذا وهم لأن الموصوف بكونه من النّعم إنما هو جزاء الصيد المقتول ، وأمّا الصيد نفسه فلا يكون من النعم . والجمهور على فتح عين « النّعم » ، وقرأ الحسن بسكونها ، فقال ابن عطية : « هي لغة » وقال الزمخشري : « استثقل الحركة على حرف الحلق كما قالوا : « الشّعر » في الشّعر » . قوله : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا في موضع رفع صفة ل « جزاء » أو في موضع نصب على الحال منه أو على النعت ل « جزاء » فيمن نصبه ، وخصّص أبو البقاء كونه صفة بقراءة تنوين « جزاء » ، والحال بقراءة إضافته ، ولا فرق ، بل يجوز أن تكون الجملة نعتا أو حالا بالاعتبارين ؛ لأنه إذا أضيف إلى « مثل » فهو باق على تنكيره لأنّ « مثلا » لا يتعرّف

--> ( 1 ) سورة البلد ، الآية ( 14 ) .